عبد الملك الجويني
43
نهاية المطلب في دراية المذهب
عاقد الذمة باشتراط انتقاض الذمة بهذه الأفعال ، ويعود الكلام إلى أن شرطه هل يُفسد الذمة أم لا ؟ فإن صححنا التأقيت ، صحت الذمة إلى انتقاضها ، وإن لم نصحح التأقيت ، فسدت الذمة من أصلها . وفي كلام الصيدلاني ما يشير إلى أن الذمة تتأبد ، والشرط يفسد . وهذا فقيهٌ ؛ من جهة أن الذمة لم ترتبط بوقتٍ [ زماني ] ( 1 ) ، وإنما أرسلت إرسالاً [ يتصور ] ( 2 ) أن تتأبد لو فرض عدم ما شرط انتفاؤه ، فيؤول الفساد إلى الشرط ، وهذا يخالف التأقيت ؛ فإن العهد المؤقت ليس ذمة ، وما ذكرنا في الصورتين يماثل تأقيت الوقف وتأبيده مع شرط فاسد ، فقد نقول المؤقت منه مردود ، وليس بوقف ، وإنما هو إعارة ، وإباحة ، والمؤبد منه مع شرط فاسد وقف فيه شرط فاسد ، وقد يرى بعض الأصحاب إحباط الشرط ، وتصحيح الوقف . هذا تمام المراد في قواعد الأقسام الثلاثة . 11467 - ثم نحن بعد نجازها نذكر أمراً مهمّاً متردداً بين الأقسام ، وهو أن أهل الذمة ، لو تعرضوا لرسولنا صلى الله عليه وسلم ، بسوء ، وقدحوا في الإسلام ، وأظهروا ذلك ، فقد اضطرب طرق أئمتنا ، ونحن نسرد جميعها نقلاً ، ثم نذكر المسلك المرتضى . ذكر صاحب التقريب ، والعراقيون وجهين في ذلك : أحدهما - أن قدحهم في الإسلام والتعرض للرسول صلى الله عليه وسلم ملتحق بالقسم الأول ، وقد مضى الحكم فيما اشتمل عليه القسم الأول . والوجه الثاني - أن الحكم في ذلك كالحكم فيما يشتمل عليه القسم الثاني ؛ فإن هذا مما يعظم الضرر فيه ، ويقدح في قلوب أهل الإسلام ، وذو الدين إذا قدح في دينه ، جاز ( 3 ) وقعُ ذلك على التعرض لدمه وماله ، فاتجه إلحاقُه بالمضرّات .
--> ( 1 ) في الأصل : " بزمان " . ( 2 ) في الأصل : " لا يتصور " . والمثبت من ( ه 4 ) . ( 3 ) جاز وقع ذلك : أي زاد وتعدّى .